مقاصد التشريع الجنائي الإسلامي
(حسن بن إبرهيم الهنداوي)
لقد أنزل الله هذه الشريعة رحمة للناس ورأفة بهم، وشرع من الحدود ما يدفع به التظالم بين الناس، ويحفظ الأفراد والمجتمع من بلاء عظيم، وخطر عميم. ولذا، فتعدّ أحكام الشريعة المتعلقة بسنّ عقوبات لبعض الجرائم التي يقترفها الناس من حين لآخر جزءا لا يتجزأ من التشريع الإسلامي الحكيم وإنْ كان بغير حقّ مهجور. ناهيك عما وجده نظام العقوبات في الإسلام من جفاء من قبل أهله، فضلاً عما وجهه الغربيّون من اتهامات للفقه الجنائي الإسلامي ووصمه بالتخلف، وسَلْقهم له بألسنة حِدادٍ حيث بدا لهم بادئ الرأي أنّ تشريعاته لا تتماشى مع كرامة الإنسان فضلا عن منافاة قوانينه للتحضر والتمدّن. فاعتقدوا أنّ التشريع الجنائي الإسلامي لا يتفق مع عصرنا الحاضر ولا يصلح للتطبيق اليوم، ولا يبلغ مستوى القوانين الوضعيّة في رقيّها وتحضّرها. فدراسة التشريع الجنائي الإسلامي دراسة مقاصديّة تبرز حِكمه وعِلله المنوطة به لإثبات خلاف ما أثبته المرجفون في الغرب والشرق لها أهميّة كبرى تجعل الفرصة سانحة لكي نعيد الاعتبار لهذا "الجزء المنبوذ والمظلوم في الشريعة الإسلاميّة"، وإزالة ما أثير حوله من شبهات وأباطيل. ناهيك عن إثبات أنّ الجزء المتعلق بالجنايات صالح للتطبيق في عصرنا الحالي، وفي المستقبل كما كان صالحاً كلّ الصلاحيّة في الماضي، بل لعلنا اليوم في حاجة آكد من قبل لتطبيقه لعموم الجنايات وانتشارها في المجتمعات الإنسانيّة انتشار النار في الهشيم، حيث عمّ الفساد البر والبحر بما كسبت أيدي الناس.
ولقد عبّر عبد القادر عوده رحمه الله عن هذا الموقف العدائي من التشريع الجنائي بقوله"أما القسم الجنائي فهو في عقيدة جمهور رجال القانون لا يتفق مع عصرنا الحاضر ولا يصلح للتطبيق اليوم، ولا يبلغ مستوى القوانين الوضعيّة. وهي عقيدة خاطئة مضللة" لأنها مبنيّة على جهل مطبق بنظام العقوبات في شريعة الإسلاميّة، والغاية من إيقاعها على الجناة المعتدين على حدود الله، والمحدِثِين بالناس ضرراً، وفساداً لا تستأصل شأفته إلا بإيقاع العقوبات الشرعيّة كما حدّدها الشارع على كلّ معتد أثيم. والحاصل أنّ هذه الدّراسة سيتم تقسيمها على مبحثين؛ أولهما يتناول فلسفة العقوبة في التشريع الجنائي ومغزاها ويتمّ ذلك ببيان مقصد الشريعة من العقوبات، وثانيهما يتعرض لأثر التشريع الجنائي الإسلامي في حفظ مقاصد الشارع وحمايتها. وفضلا عن ذلك سيتم دراسة بعض من المسائل الآنفة الذكر مقارنة بالقوانين الوضعيّة المعاصرة المتعلقة بنظام الجرائم وعقوباتها ما استطعت إلى ذلك سبيلا. ولكن قبل الخوض في تفصيل القول في فلسفة العقوبة سأذكر تعريفات مختصرة لكلّ من الجناية، والعقوبة، والجريمة.







